أبو نصر الفارابي

61

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

وأيضا ، فإن الأضداد إنما تحدث إما من أشياء جواهرها متضادة ، أو من شيء واحد تكون أحواله ونسبه في موضعه متضادة ، مثل البرد والحر ، فإنهما يكونان من الشمس ؛ ولكن الشمس تكون على حالين مختلفين من القرب والبعد ، فتحدث بحاليها أحوالا ونسبا متضادة . فالأول لا يمكن أن يكون له ضد ، ولا أحواله متضادة من الثاني ، ولا نسبته من الثاني نسبة متضادة . والثاني لا يمكن فيه تضاد ، وكذلك لا في الثالث ، إلى أن ينتهي إلى العاشر « 1 » . وكل واحد من العشرة يعقل ذاته ويعقل الأول ، وليس في واحد منها كفاية في أن يكون فاضل الوجود بأن يعقل ذاته ، بل إنما يقتبس الفضيلة الكاملة بأن يعقل مع ذاته ذات السبب الأول ، وبحسب زيادة فضيلة الأول على فضيلة ذاته يكون بما عقل الأول فضل اغتباطه بنفسه أكثر من اغتباطه بها عند عقل ذاته . وكذلك زيادة التذاذه بذاته بما عقل الأول على التذاذه بما عقل من ذاته ، بحسب زيادة كمال الأول على كمال ذاته ، واعجابه بذاته وعشقه لها بما عقل من الأول على اعجابه بذاته وعشقه لها بما عقل من ذاته بحسب زيادة بهاء الأول وجماله على بهاء ذاته وجمالها ؛ فيكون المحبوب أولا والمعجب أولا عند نفسه بما هو يعقله من الأول ، وثانيا بما هو يعقله من ذاته . فالأول أيضا بحسب الإضافة إلى هذه العشرة هو المحبوب الأول والمعشوق الأول « 2 » .

--> ( 1 ) الأضداد تحدث من أشياء جواهرها متضادة ، أو من شيء واحد أحواله متضادة . ( 2 ) كل من العقول الثواني تكون غبطته أو لذته المتولدة من ادراكه . الله أكبر من غبطته أو لذته المتولدة من ادراك ذاته .